رمضان شهر المؤاساة ـ العلامة مصطفى السباعي

تاريخ الإضافة الجمعة 9 حزيران 2017 - 11:42 ص    عدد الزيارات 369    التعليقات 0

        


 رمضان شهر المؤاساة ـ بقلم العلامة مصطفى السباعي

هاهي ذي ليالي رمضان تتوالى، وهاهي موائد الإفطار تلم شمل العائلة، فالحمد لله الذي أطعمنا بعد جوع وأروانا بعد ظمأ، وهذه هي إحدى الفرحتين اللتين أخبر عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره و فرحة عند لقاء ربه).

ومن تمام الفرح بالشبع والري فرحكم باجتماع الشمل في أمسيات رمضان، فالعائلة لا يجتمع شملها على طعام واحد في وقت واحد إلا في رمضان غالباً، حتى لو كان لها ولد غائب فإنها لا تشعر باللوعة على غيابه أكثر ما تشعر إلا في أيام رمضان، فأنتم أيها الصائمون تشعرون في أمسية كل يوم من هذه الأيام بملذات تملأ نفوسكم غبطة وانشراحاً، لا تملكون معها إلا أن تحمدوا الله تعالى عليها وتسألوه دوامها، فكيف تظنون دوام هذه النعم ...؟ وما هو تمام حمدها ..؟

أما إن الشكر على النعم لا يكون باللسان فحسب، بل أن تعمل على أن يشترك معك في هذه النعمة إخوانك ممن حرمتهم ظروف الحياة القاسية من الاشتراك فيها.

وكم في الحياة القاسية من فقراء ليس غيرهم من ذوي الثراء أذكى منهم ولا أعلى همة، ولا أكثر علماً ... ولكن قسوة المجتمع عليهم وإهمال الدولة لهم، جعلاهم يئنون تحت وطأة البؤس وهموم الحاجة.

هؤلاء ... إن كانت الرحمة لهم واجبة في غير رمضان فإنها فيه أوجب وألزم، و إذا كانت وشائج الإنسانية تحتم على من يعرفهم أن يبر بهم، ويمسح دموع أحزانهم ونكباتهم، فإن المسلم أحق ببرهم، وأن يرى سعادته بإسعادهم ومواساتهم.

ألا تظنون أيها أن مثل هؤلاء في الحياة كثيرون؟ ألا تعتقد أنهم في مثل مجتمعنا القاسي الظالم موفورين في كل حي، وكل سوق، وكل شارع، وكل قرية؟

لا تظنوا هؤلاء الذين يطرقون أبوابكم، سائلين، ويضايقونكم في الشوارع ملحين، لا تظنوهم هم الفقراء والمحتاجين من بينكم وحسب، فما أكثر هؤلاء إلا محترفون يتكسبون بالسؤال، ولكن المحتاجين والبؤساء هم أولئك الآباء الذين لا يجدون من العمل ما يطعمون به أولادهم، هن تلك النسوة اللائي حرمن العائل، وأبت عليهن عفتهن أن يضربن في البيوت سائلات، أو في المصانع عاملات، هم أولئك الأطفال الذين انتزع الموت منهم آباءهم، ففقدوا بهم المعين والنصير، هم أولئك اللاجئون الذين شردتهم عن أوطانهم القوة الجائرة والسياسة الحائرة، والعزيمة الخائرة، والخيانة السافرة، فافتقروا بعد غنى، وذلوا بعد عز، وتفرقوا تحت كل كوكب، وأتوا إلينا يطلبون منا بلغة العيش، فأبينا عليهم إلا أن نجرعهم معها غصصاً من الذلة والهوان ..!

هؤلاء وأولئك الذين توجب عليكم نعمة الله تعالى أن تذكروهم في هذه الأيام، لا أقول لكم تصدقوا عليهم, ولا أقول لكم جودوا عليهم فالصدقة والجود من نوافل الإحسان في عرف الناس، ولكن أقول لكم: كفروا عن سيئاتكم معهم بإشعارهم نعمة الإخوة، وصلة الدين، وعاطفة الرحم، وقربى الجوار.

هؤلاء لولا تفريطكم وتفريط المجتمع بهم لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من البؤس، هؤلاء إن شعروا بمرارة الحرمان في غير رمضان مرة، فإنهم يشعرون بها في رمضان أكثر من مرة.

إنهم جيرانكم إليها الناس، ما من عائلة منكم إلا وفي حيها عائلة أو عوائل من هؤلاء البؤساء ، فتصوروا لوعتهم و حرقتهم ، يرونكم تدخلون على بيوتكم بأصناف الخضر والفواكه والحلوى، تفوح من بيوتكم روائح الشواء والحساء كل مساء، ويرون خروج أطفالكم حين ينتهون من الطعام إلى الشوارع هازجين لاعبين أمامهم، فللأب منهم في صدره حسرة وزفرة، وللأم في مآقيها دمعة وعبرة، وللابن من جوعه بكاء وعويل، هكذا أنتم تفطرون كل يوم، وهكذا هم يمسون كل يوم.

أعرف أبا كان ذا نعمة ومال وفير، وقد عود أولاده الطعام الطيب واللباس الفاخر، ثم شالت به كف القدر، فأعسر بعد يسر، وجاء رمضان وهو لا يجد ما ينفقه كما كان ينفق من قبل، وله من مكانته وحيائه ما يمنعه من أن يسأل الناس صدقة أو ديناً، فلم يكن يستطيع أن يقدم لعائلته ما تفطر عليه إلا الجبن والزيتون والفول، واحتمل أبناؤه ذلك أول يوم وثانيه، حتى قال صغيرهم في اليوم الثالث: (يا أبت لقد أحرق اجبن بطوننا، ونحن صيام نحتاج إلى ما يبل الأوام، ويرطب الجوف في الحر الشديد، ويكاد يغمى علينا من روائح الطعام عند جيراننا، فلماذا لا تطعمنا كما يطعم جارنا أبناءه، وكما كنت تطعمنا من قبل؟ وطفرت الدمعة منعين الصبي، و خرج بعدها الأب إلى جانب مظلم من الدار، ثم بكى !لأنه لا يردي أن تتفتح قلوب أبنائه أول ما تتفتح في الحياة على غدر المجتمع و قسوة الناس .

أيها الصائمون المثرون ... إنكم تتفننون في تلوين مائدتكم كل مساء بأطايب الطعام وأنواعه وبعضه أو بل الأقل منه يمكن أن يطعم جياعاً ويسعد عوائل، ويكفكف عبرات بائسة حزينة، فهل فكرتم فيمن حولكم من جيرانكم و أقربائكم؟

هل فكرتم أن تستغنوا عن لون من هذه الألوان، لتفطر عليها عائلة لا يعلم حزنها وبؤسها إلا الله تعالى؟

أما والذي جعل الصيام مساواة بين الناس، ومواساة للبؤساء ....لو أن كل صائم مقتدر أطعم صائماً معوزاً، ولو أن كل عائلة موسرة أسعفت عائلة معسرة لما بقي فينا باس ولا فقير ولا محتاج، ولكان الصيام موسماً للخير لا تنتهي بركاته وحسناته، ولكنا بحق خير أمة أخرجت للناس.

ففتشوا أيها الصائمون عن جيرانكم ...فتشوا عن أقربائكم ...فتشوا عن إخوانكم اللاجئين ... حذار أن تنسوا برهم وإسعادهم وإشراكهم معكم في نعمة الله تعالى.

أيها الصائمون ...

اذكروا حيت تجتمعون مع نسائكم وأولادكم لتملؤوا بطونكم رياً وشبعاً، اذكروا في هذه اللحظات جوع الجائعين ولوعة الملتاعين، وعبرات البائسين، اذكروا أن الله تعالى لن يقبل صياما ولا طاعة ومن حولكم بطوناً جائعة تستطيعون أن تشبعوها، ونفوس حائرة تملكون أن تسعدوها، اذكروا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم) [رواه ابن أبي شيبة]

اللهم إنا نسألك التوفيق لكل خير والمزيد من كل بر، أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا، وأن نعمل صالحا ترضاه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

مقالات متعلّقة

 

التاريخ الخطيب
2/6/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
9/6/2017 الشيخ عصام حشيش
16/6/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
23/6/2017 الشيخ عصام حشيش  
30/6/2017 الشيخ عبد الله علي البقري