كلمة المفتي سوسان بمناسبة شهر رمضان

تاريخ الإضافة الأحد 4 حزيران 2017 - 11:18 ص    عدد الزيارات 349    التعليقات 0

        


 كلمة سماحة مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد: 

قال صلوات الله وسلامه عليه (أتاكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم رحمة الله) أخرجه الطبراني.

أظلنا شهر كريم مبارك، جعل الله صيامه فريضة، و قيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه.

شهر أظلتنا أعلامه وغمرتنا أنواره، أيامه صيام ولياليه قيام، فيه يتألق الإيمان ويزداد اليقين، أنزل فيه القرآن نوراً ونبراساً يضيء ظلمات الحياة، لأنه لا تنطفىء مصابيحه ولا يخبو توقده ونوره، يهدي الناس إلى الطريق المستقيم، فهو دستور يصون الحقوق ويحميها ويبن الحلال والحرام، ويعصم الأمة عن الانحرافات والزلل لأنه يهدي للتي هي أقوم.

إخوتي وأبنائي: الصوم عبادة روحية والطاعة وهي عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على سبيل تعظيم الآمر، والعبادة تحقق معنى الطاعة لله تعالى والامتثال لأوامره والتقرب إليه، وكل عبادة من عبادات الإسلام تتضمن معنى مخالفة الإنسان لشهواته وأهوائه وإلى هذا أشار الإمام الجرجاني في تعريفاته فقال: "العبادة: فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه".

 إذاً العبادات شرعت ليحقق الإنسان تقدمه الإيماني والمادي وتعينه على إنجاز السمو الروحي، وتحول بينه وبين مسالك الشر والانحراف.

عبادة الصيام: تُحدث تغييراً في حياة الصائم، من حياة حيوانية حظ الجسد فيها أعظم إلى حياة متوازنة حظ الروح فيها أوفر ذلك لأن فيه تقديم رضا الله على النفس،  هذه العبادة شريعة أزلية دائمة كتبت على المؤمنين كما كتبت على غيرهم، وقد أفاد كلام الله سبحانه وتعالى أنها ذريعة إلى تقوى الله {لعلكم تتقون}.. وتقوى الله مطلوبة في كل الأحوال والأزمان، والصيام يحقق التقوى لأنه يضيق مجال الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم. فالصائم في صيامه، تكثر طاعاته ودعاؤه وأعماله الصالحة وذاك يقوي جانب التقوى ومراقبة الله تعالى.

 والصيام  سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه قال ابن القيم: "والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم".

وقد ورد في الحديث القدسي الصحيح: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشَرَةُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي..) إضافه الله إليه وكل الأعمال له، لكن إضافة تشريف وتكريم للصائم فيكون هذا الترك لأجله سبحانه وتعالى طريقاً موصلاً بنا إلى الجنة ومكفراً لذنوبنا. قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). البخاري ومسلم... "ومعنى إيمانا أي إيماناً بوجوبه، ومعنى احتساباً استشعاراً بالآجر عند ربه" قاله العز بن عبد السلام. ويكفي أن العبد المؤمن يشعر بصيامه انه عبد لله حقاً، فإن كمال الحرية في تمام العبودية لله.. وتمام الصيام  وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقوله عليه السلام: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري, لأنه صام عن مباح محرّم عليه مؤقّتًا وارتكب محرّمًا تحريمه أبديٌّ سرمديّ. فينبغي على المسلم أن يحذر ممّا حرمه الله عليه كي لا ينقص أجر صومه أو يذهبه بالكلية.

وفي حديث آخر: (ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث). ما فائدة صيام من يفحش بكلامه ويؤذي الناس بلسانه؟ وقد أجاب رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بذلك: (رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ)  وفي رواية: (كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) رواه أحمد.

إخوتي وأبنائي: شهر رمضان شهر الجود والعطاء والإنفاق والكرم،  شهر تنتشر فيه فضيلة السخاء وتمحى رذيلة الشح، وتبعث الرحمة والشفقة على المساكين والفقراء، فالواجب على الأغنياء أن يحسنوا إلى الفقراء والمساكين ويسدوا من حاجاتهم ويصلوا أرحامهم وقراباتهم .. كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس طاعةً وسماحةً وأعظمهم جوداً وكرماً (كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان).. والجود في رمضان أعظم وأفضل عند الله من الجود في غيره.. وقد اعتاد كثير من المسلمين أن يخرجوا زكاة أموالهم وهي الصدقات المالية الواجبة عليهم في رمضان من كل عام فهي مظهر من مظاهر التعاون الإسلامي وأثر من آثار الأخوة الدينية وعامل من عوامل الألفة والمحبة والترابط. تهذب النفوس وتطهر المال وتزيد من الحلال وتكف عن مذلة الفاقة والسؤال.

أتمنى على إخوتي وأبنائي في هذا الشهر الكريم المبارك أن يراعوا حرمة رمضان في أيامه ولياليه، طاعةً لله وتمسكاً بالدين وعملاً بالشريعة السمحاء.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منا جميعاً صلاتنا وصيامنا وقيامنا وزكاة أموالنا، وأن يجمع شمل الأمة ويؤلّف بين قلوبها تحت رآية القرآن والسنة، وأن ينصر رآيته ويعلي كلمته إنه سميع مجيب.

صيدا في: 29شعبان  1435هـ                             

        27حزيران 2014م.

 

 

 

مقالات متعلّقة

 

التاريخ الخطيب
1/12/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
8/12/2017 الشيخ محمود سمهون
15/12/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
22/12/2017 الشيخ عبد الله علي البقري  
29/12/2017 الشيخ عبد الله علي البقري