الشيخ موسى نضر: بقلم الدكتور عبد الرحمن حجازي

تاريخ الإضافة الإثنين 13 شباط 2017 - 7:12 م    عدد الزيارات 1940    التعليقات 0

        


 الشيخ موسى نضر: بقلم الدكتور عبد الرحمن حجازي – أستاذ في جامعة الجنان.

تحتفي صيدا في شهر رمضان بالقرآن الكريم ومسابقات حفظه وتحفيظه، وأبرز من واظب على عملية تحفيظ القرآن الكريم الشيخ موسى نضر الذي درست على يده، وقد جاوز الستين من العمر، ربع القامة، أقرب إلى القصر منه إلى الطول، ويتميز من بين الناس بطربوشه التركي، ولباسه العربي المؤلف من قمباز أثري يستره ويحميه معطف طويل هجم الزمان على ألوانه فغيّر حالها وجردها من ألوانها الزاهية إلى لون داكن يوحي بصحبة طويلة لا تنفك ولا تزول حتى غدا من يريد التعرف عليه يعرفه من خلال معطفه وطربوشه. وتقود خطاه في أزقة صيدا وشوارعها عصا غليظة يحسن استعمالها إن مازحه أحد أو حاول أحد التعرض له وهو في طريقه من المسجد إلى بيته المتفرع من الشارع الممتد من ساحة المصلبية جنوباً، أو من بيته إلى مسجد قطيش أو الجامع العمري الكبير، حيث يمارس دور المعلم على الأطفال في غرفة جامع قطيش، ودور المربي الواعظ على الرجال الذين يتقدمونه في السن، وأقبلوا عليه في الجامع العمري الكبير لتعلم قراءة القرآن الكريم. إذا مشى أمامك مشيته الرابية، ما شككت لحظة في أنه دمية من الخشب تتحرك بلولب، لكنه لم يكن يسرع الخطو، وإنما كان يسعى هادئاً مطمئناً. كان يسعى في ظلمة الحياة القاتمة، فقد غاب بصره منذ صغره، فبدا ذاهل العينين، لكن فقدان البصر لم يفقده البصيرة اليقظة. كان يعتمد في سيره على دليل اختبره ومارسه من الآيات القرآنية فمن مدخل بيته إلى ساحة المصلبية يردد عدداً معيناً من الآيات. وعدداً منها إذا أراد الانحراف يساراً ليتوجه إلى الجامع العمري الكبير، وعدداً آخر منها إذا تابع سيره مستقيماً إلى مسجد قطيش. أما إذا قصد المقبرة للقراءة على القبور، فإنه يردد سورة طويلة من القرآن الكريم الذي يحفظه على ظهر قلب ويعرف عند أي آية من الآيات ينحرف يميناً أو يساراً في الطريق المتعرج من بيته إلى باب المقبرة من جهة البوابة الفوقا، فقد جعل مقياس المسافات الآيات قرآنية يرددها وهو ينطلق من بيته إلى أي مكان يتوجه إليه داخل المدينة أو خارجها. تجده كل يوم بعد صلاة الظهر متربعاً في غرفة جامع قطيش يدرس الأطفال القرآن الكريم وأحكام تلاوته، أما بعد عصر معظم الأيام فإنه يسند ظهره إلى الحائط قرب بركة الوضوء التي كانت قائمة في الطرف الشمالي من المسجد العمري الكبير تتباهى ببرودة مائها في حر الصيف، وقد التف حوله أساتذة الحياة من كبار السن الذين لم يدخلوا مدرسة تعليمية قط وجلهم من الباعة المتجولين أو العمال المياومين. كان الشيخ موسى يخاطب أساتذة الحياة بلغة واقعهم وعملهم حتى يستوعبوا درسهم بسرعة فائقة. ولا تمضي سنوات حتى يكون هؤلاء التلامذة حفاظاً، ودعوا غيرهم إلى الحلول مكانهم في حلقة الشيخ موسى التي لا تتجاوز الخمسة تلاميذ. ولو كان النظام التربوي الذي نعرفه اليوم، والقائم على العصف الذهني واستدرار الأفكار واعتماد أساليب الحوار سائداً في القرن الماضي، لاعتبر الشيخ موسى نضر الذي توفي عام 1968 من كبار رجالات التربية والتعليم، لكنه كغيره من رجالات الذاكرة الصيداوية الذين رحلو ولم تسجل مآثرهم.

مقالات متعلّقة

 

التاريخ                                                                             الخطيب
4/5/2018  الشيخ عبد الله علي البقري
11/5/2018 الشيخ محمود سمهون
18/5/2018 الشيخ عبد الله علي البقري
25/5/2018 الشيخ محمود أحمد سمهون