يوم الشكر: الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

تاريخ الإضافة الأحد 1 كانون الثاني 2017 - 9:40 م    عدد الزيارات 512    التعليقات 0

        

 يوم الشكر: الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

رمضان سوق قام ثم انفض, ربح فيه مَن ربح وخسر فيه من خسر, طوبى لمن ربح, ها هو شهر رمضان يجمع متاعه, ويشد رحاله, ويتجهز للرحيل, ليرفع الأعمال الى الرب الجليل, فسلام عليكم يا رمضان, يوم أتيتنا وعلى القيام جمعتنا, وبالقرآن أنرت بيوتنا, سلام عليك يوم أصلحت ذات بيننا, ووصلت ما تقطع من أرحامنا. إخوتي أخواتي: ها هو شهر رمضان تنفرط عقد أيامه ولياليه, فماذا بعد رمضان, تنطفئ المصابيح, وتنقطع صلاة التراويح, وتهجر المساجد, ويقل فيها الراكع والساجد, ونترك العبادة ونعود للعادة, هذا حال الكثير منا, كانوا رمضانيين ولو يكونوا ربانيين, أيقابل التوفيق بالهجران, وتقابل النعمة بالعصيان, فاعلموا أن نهاية وقت الطاعة والعبادة ليس مدفع العيد كما يتوهم البعض بل هو كما قال الله عزوجل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. اليقين هو الموت. وقال الحسن: أبى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهر أو شهرين أو عام أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت. وقرأ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس على المنبر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}, فقال: استقاموا والله بطاعة الله ثم لم يروغوا روغان الثعلب. لقد بشرنا النبي بمغفرة الذنوب والأوزار في آخر ليلة من شهر رمضان فقد روى البيهقي في شعب الإيمان: (فإنه إذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً, فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم) فإذا كان يوم العيد لم يقابلوا النعمة بالشكر, والله تعالى يقول: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} والكفر هنا كفر النعمة, لذا وجب علينا أن نشكر الله على ما هدانا, وما من علينا به من إدراك شهر رمضان, حيث تفضل علينا وأعاننا على صيامه وقيامه. إخوتي أخواتي: علينا أن نعلم الأعياد في الإسلام عبادة يؤجر عليها المسلم, وقد جعلها الله بعد العبادات, فيوم الجمعة عيد للمسلمين, ويأتي بعد عبادة أسبوع, وعيد الفطر يأتي بعد فريضة الصيام, وعيد الأضحى يأتي بعد فريضة الحج, والمسلم عليه أن يُريَ ربه من نفسه خيراً في يوم العيد. لذا اشكروا الله في عيدكم, واحمدوه يزدكم, وتوبوا إليه يغفر لكم, واتقوا الله لعلكم تفلحون. كونوا من عباده الحامدين الشاكرين, الذين وصفهم الله تعالى بالقليل, فقد روي أن عمر سمع رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل. فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: إني سمعت قول الله تعالى: {وقليلٌ من عباديَ الشكور} فإنما أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل. وليتحقق فينا معنى الشكر فإن حقيقة الشكر أعظم من أن تقتصر على كلمات يرددها اللسان, وكما قال العلامة المناويّ رحمه الله تعالى: "الشّكر: شكران: الأوّل شكر باللّسان وهو الثّناء على المنعم، والآخر: شكر بجميع الجوارح، وهو مكافأة النّعمة بقدر الاستحقاق"، ورحم الله العارف بالله أبو حازم سأله رجل: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شرّا سترته، قال فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته وإن سمعت بهما شرّا دفعته, قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقّا لله هو فيهما, قال: فما شكر البطن؟ قال: قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ}. ومن جميل ما يروى أن الربيع بن الهيثم رحمه الله تعالى من شدّة غضه لبصره وحفظه لجوارجه يظن الناس أنه أعمى. وكان يختلف الى ابن مسعود رضي الله عنه عشرين سنة, فإذا طرق الباب خرجت إليه الجارية فتراه مُطـْرقًا غاضًا بصره, فتقول لسيدها: صديقك الأعمى قد جاء, فكان ابن مسعود رضي الله عنه يتبسَّم من قولها, وكان إذا نظر إليه يقول: وبشر المخبتين, أمَا والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك وأحبك. هذا هو شكر الجوارح, وما أحوجنا الى شكر الجوارح في يوم العيد, خرج حسان بن أبي سنان يوم عيد، فلما عاد قالت له امرأته: كم من امرأة حسناء قد رأيت؟ فقال: والله ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك إلى أن رجعت إليك!, وقال وكيع بن الجراح رحمه الله: خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غَضُّ أبصارنا. لقد تحقق فيهم معنى الشكر في يوم ينادي فيه المنادي كما روى الطبراني في الكبير: (يا معشر المسلمين اغدوا إلى رب رحيم يمن بالخيرات ويثيب عليه الجزيل، أمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى مناد من السماء ارجعوا إلى منازلكم راشدين قد غفرت ذنوبكم كلها ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة). بعد هذا الفضل العميم, ترى الكثير في يوم العيد لا يشكرون الله, ولا يذكرون الله إلا قليلاً وقد قال تعالى: { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وهذا هو المبدأ القرآني فيوم العيد تكبير لله وتعظيم له, وشكر له على نعمه وحمد له على آلائه.



 

 

التاريخ الخطيب
2/6/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
9/6/2017 الشيخ عصام حشيش
16/6/2017 الشيخ عبدالله علي البقري
23/6/2017 الشيخ عصام حشيش  
30/6/2017 الشيخ عبد الله علي البقري